رسالة من المجتمع الى مشروع السلم الاجتماعي والمشايخ ولاعيان

تعطيل أحكام القصاص بالوساطات القبلية في اليمن: جريمة في حق الدم والدين والمجتمع والإنسانية كلها
ــــــــــــــــ
لنتحدث بوضوح كامل، دون مواربة أو تجميل، إن ما يحدث اليوم في الأوساط اليمنية، وتحديداً تحت سطوة العرف القبلي الذي أصبح فوق الشرع وفوق القانون، هو انقلاب صارخ على هذه الحياة ذاتها التي أمر الله بحمايتها، حيث تحول القصاص من حق إلهي مصون لا يجوز التفريط فيه إلى مجرد لعبة قذرة من ألعاب الضغط القبلي، تُسقط بالمال الحرام والمناشدة الكاذبة والتهديد الخفي، وتُجبر فيها عائلة الضحية الثكلى على العفو القسري الذي لا يرضاه الله في سمائه، ولا يرضاه الضمير الإنساني في قرارة نفسه.

هذه ليست عادات، هذه جريمة في حق الدم والدين والمجتمع والإنسانية كلها، لأنها تساوي بين الجاني والضحية، بل ترفع الجاني وتلقي بالضحية في زاوية النسيان ، وتجعل من ولي الدم مذنباً إن هو تمسك بحقه، ومن القاتل بطلاً إن هو وجد من يشفع له.

تخيل مشهداً مألوفاً في أي مدينة أو قرية يمنية: حيث تبدأ الكارثة الحقيقية في اللحظة التي يسقط فيها قتيل جديد، فبدلاً من أن تمتد يد العدالة القضائية لتأخذ من القاتل المتعمد حق المجني عليه البارد تحت التراب، نجد وساطات قبلية منظمة تتحرك وكأنها سلطة موازية تسير في الظل، تضم كبار العشائر وأصحاب النفوذ المالي والاجتماعي الذين يملكون أدوات الضغط والإغراء، فتُقام جلسات العرف الطويلة التي يطلق عليها مسميات براقة مثل "الإصلاح" أو "حقن الدماء"، لكن القاسم المشترك في كل هذه الجلسات هو حصار ولي الدم نفسياً واجتماعياً من كل اتجاه حتى لا يجد منفذاً للهروب. يتعرض هذا الثكلى المكلوم الذي لم يجف دمع عينيه بعد لحملة ضغط لا هوادة فيها ولا رحمة، فيُطلب منه أن يكون "رجلاً" و"شهاماً" و"كريماً"، وأن يتجاوز عن قاتل قريبه بداعي السماحة والعفو، وإذا تمسك بحقه الذي منحه إياه الله، اتهم بالعناد والقسوة والرجعية والتشدد. وإذا لم يذعن لهذه الضغوط النفسية، تُهدد عشيرته بأكملها بالعزلة والمقاطعة الاجتماعية التي تعني أشد من الموت في المجتمعات القبلية، وتُرفع التعويضات المالية إلى أرقام خيالية تجعله في نظر المجتمع "متكبراً متعنتاً" إن هو تجرأ على رفضها.


الجزء الثاني ــــ

وفي خاتمة هذه المهزلة، يتحول القاتل المتعمد الذي سفك دماً حراماً إلى ضحية ظروف مسكينة، وتتحول جريمة إزهاق الروح إلى "حادثة سداد" عابرة، وينتهي الأمر بدفع عشرات بل مئات الملايين من الريالات مقابل إسقاط حق إلهي عظيم، وكأن دم المقتول الذي لا يعوض صار مجرد سلعة رخيصة تباع وتشترى وتخضع للمزايدة العلنية تحت مسمى "الإصلاح القبلي".

وهنا يبرز السؤال الأشد خطراً والأكثر إيلاماً: أين الله من كل هذه الصفقات الدامية التي تجري على دماء عباده؟ إن النصوص الشرعية المحكمة التي جعلت القصاص أصلاً لا يعدله شيء، وجعلت العفو فضيلة عظيمة لكن بشرط أن يخرج من باب الطواعية المحضة لا من باب الإكراه والاضطهاد، تُنتهك يومياً على أيدي هؤلاء الوسطاء الذين يلبسون الباطل ثياب الحق. يقول سبحانه وتعالى: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ"، والعفو المقصود هنا هو ما خرج من قلب راضٍ طاهر غير مكره ولا مضغوط، أما العفو الذي ينتزع تحت وطأة الضغوط القبلية الجارحة، والتهديد بالعزلة الاجتماعية المدمرة، ودفع المال المغري للفقراء والمحتاجين، فهو عفو باطل شرعاً وقانوناً وضميراً، لأنه تحريف فاضح لمقاصد الشريعة الإسلامية، واستغلال سافر لحاجة ولي الدم المالي أو لخوفه الاجتماعي، وتطويع لنص الشرع لخدمة مصلحة الجاني على حساب قتيل بائس لم يعد له لسان يدافع عن نفسه ولا عين تدمع على مقتله.

لكن الخطر الأشد والأكثر فداحة على المجتمع اليمني برمته يظهر بوضوح على المستوى الأمني والعقابي، حيث تتحول هذه الممارسات القبلية الخاطئة إلى مفرخة حقيقية لا تنضب للثأر والانتقام المسلح الذي لا يرحم. فولي الدم الذي يشعر في أعماقه أن حقه سلب بالقوة الغاشمة أو بالمال الحرام أو بالنفوذ الظالم، لا يهدأ له بال ولا ينام له جفن ولا تسكن له روح، ويجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما على الإطلاق: إما أن يبتلع غضبه وألمه ويعيش بقية عمره مع جرح مفتوح ينزف في كرامته وعدالته، وإما أن يلتفت إلى سلاحه المخبأ ويقتص بنفسه خارج إطار القانون والدين. والأخطر من هذا كله أن المجتمع القبلي نفسه الذي ضغط عليه بكل قسوة ليعفو ويتنازل، هو ذات المجتمع الذي سيفهم موقفه بل ويصفق له لو ثأر لاحقاً وأراق دماً جديداً، لأن "الرجل الحقيقي" في ثقافتهم المنحرفة هو من يرد الدم بالدم لا من يبيع الدم بالمال. وهكذا، بدلاً من أن تنتهي القصة المأساوية بحكم قصاص شرعي واحد يطفئ النار من أول مرة ويردع كل من تسول له نفسه القتل، نجد أنفسنا أمام دوائر عنف متجددة لا تنتهي: ثأر يتبعه ثأر أشد منه، وانتقام يقابله انتقام أكبر، ودم يسفك من أجل دم، وتتحول القبيلة بأكملها إلى ساحة حرب أهلية مصغرة لا تعرف متى بدأت ولا متى تنتهي. كل ذلك لأن الوساطات القبلية المتسرعة فضلت "إصلاحاً" مزعوماً وقصير الأمد على حساب حكم الله العادل، فكانت النتيجة الكارثية أن أطفأت نور العدالة وأشعلت فتيل انتقام أشد فتكاً وأكثر دموية من الجريمة الأولى نفسها.

الجزء الثالث ــــ
ولا نغفل أيضاً عن الجريمة الثالثة التي ترتكبها هذه الوساطات في حق الأمة اليمنية بأكملها، وهي تدمير سلطة الدولة والقضاء وتقويض أي أمل في بناء مجتمع مدني قوي تحكمه المؤسسات والقوانين لا الأهواء والعشائر. فحين تنجح هذه الوساطات مراراً وتكراراً في تعطيل أحكام القصاص الإلهية، يصبح القضاء اليمني مهزلة مثيرة للشفقة أمام أعين الناس، وتتحول المحاكم إلى أبنية فارغة ومكاتب خاوية لا قيمة لأحكامها ولا وزن لقراراتها، لأن الجميع يعلم يقيناً أن القاتل سوف يخرج سالماً معافى بـ"دية" زهيدة أو "صلح قبلي" سريع قبل أن تطول يده يد العدالة. والنتيجة النهائية لهذا المشهد الكئيب هي كارثة إنسانية وأخلاقية: يزداد المجرمون والقتلة جرأة على سفك الدماء واقتراف الجرائم، ويتحول الدم اليمني إلى سلعة رخيصة في سوق مفتوح، في مجتمع يعرف تمام المعرفة أن القصاص لم يعد يخيف أحداً، وأن العقوبة القضائية صارت مجرد حبر على ورق أمام قبضة العرف القبلي الحديدية. وفي بلد كاليمن يئن أصلاً من انهيار الدولة وضعف السلطة المركزية وانتشار الفوضى المسلحة، يكون تعطيل القصاص بهذه الصورة بمثابة إعلان رسمي غير مكتوب عن موت القانون وانتصار الفوضى، وإعلان أن قبضة القبيلة أطول وأقوى من قبضة العدالة، وأن الجاني يستطيع أن يشتري حياته – ليس بالمال وحسب – بل بنفوذ الوسطاء وبتهديدهم لمن يطالب بحقه.

الجزء الرابع
ـــــــــ

والأدهى من كل هذا، بل الأكثر مرارة وإيلاماً، أن المجتمع اليمني نفسه يساهم بوعي أو بغير وعي في تشويه قيمة العفو النبيلة وتحويلها إلى أداة قذرة لممارسة الظلم باسم الأخلاق. فالعفو في الإسلام عبادة عظيمة والله يحب العافين المتسامحين، لكن العفو الذي يُطلب تحت التهديد المباشر ويُنتزع بالإكراه النفسي والاجتماعي ليس عبادة يثاب عليها فاعلها، بل هو انتهاك صارخ لكرامة ولي الدم وتشويه مشين لمعنى السماحة الإنسانية. إن المجتمع الذي يصف المتمسك بحقه المشروع في القصاص بـ"الغليظ القلب" أو "عديم المروءة" أو "الذي لا يعرف العادات"، هو مجتمع انقلبت فيه الموازين تماماً، وأصبح يدافع بشراسة عن القاتر ويوجه أصابع الاتهام إلى المقتول، ويجعل من الجاني بطلاً يستحق الشفاعة ومن ولي الدم مذنباً إن هو تمسك بحقه الذي أعطاه الله إياه. هذا الانحراف الخلقي الخطير ينتج عنه غياب كامل للردع العام، ويجعل القاتل المحتمل يخطط لجريمته الدامية وهو مطمئن البال هادئ الأعصاب، لأنه يعلم يقيناً أن عشيرته ستجمع له المال من أقاربه وتستعين بكبار الوسطاء لإنقاذ رقبته، ولا يخاف من عقوبة ولا من قصاص ولا من أي رادع إلهي أو بشري.

إن الحل الذي ننادي به بكل وضوح وحزم ليس هو نبذ العرف القبلي كله بشكل أعمى، فالعرف قد يكون نافعاً ومفيداً في بعض القضايا الصغرى التي لا تمس حدود الله، لكنه يتحول إلى جريمة نكراء لا تغتفر حين يتدخل بوقاحة لتعطيل حد من حدود الله التي أنزلها لحماية الدماء والأعراض. نحن بحاجة ملحة إلى حملة وطنية ودينية وإعلامية صارمة تعلن بصوت عالٍ لا يقبل التأويل: أن الضغط على ولي الدم للتنازل عن القصاص هو جريمة تستحق أشد العقوبات، وأن أي وساطة تهدف إلى إجباره على العفو تحت أي مسمى كانت تعتبر اعتداءً سافراً على حق إلهي وحق إنساني لا يسقط بالتقادم ولا بالضغوط. نحن بحاجة إلى قضاء يفرض هيبته بقوة القانون لا بالكلمات المرسلة، وإلى وعي مجتمعي عميق يدرك أن الدم لا يثمن أبداً، وأن الرجولة الحقيقية والشهامة الحقيقية هي في نصرة الحق والوقوف إلى جانب المظلوم، لا في الضغط على الثكلى والبكائين باسم العادات والتقاليد البالية. واليمن اليوم، وهي تغرق في جراحها العميقة وحروبها المتعددة ودمائها المسفوكة، لا يمكنها أن تنهض من كبوتها بغير عدالة نافذة حاسمة، ولا يمكن لأرواح اليمنيين أن تصبح آمنة على أنفسهم وأهليهم طالما أن القاتل ينام مرتاحاً في فراشه بينما ولي الدم يُبتز ويُمارس عليه الضغط في وضح النهار. إما أن نعيد للقصاص هيبته ومكانته كخط أحمر لا يمس، وإما أن ننتظر الموتى يتساقطون واحداً تلو الآخر في شوارعنا وقرانا، ليس من رصاصة الجريمة الأولى الباردة، بل من جريرة تعطيل حكم الله فيها على أيدي من يسمون أنفسهم خطأً بالإصلاحيين.

توضيح ــــ. 

لا خلاف إطلاقًا بأن العفو في الدين والشرع قيمة عظيمة والله يحب العافين المتسامحين.

ـــ والله يقول  "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ"، والعفو المقصود هنا هو ما خرج من قلب راضٍ طاهر غير مكره ولا مضغوط، أما العفو الذي ينتزع تحت وطأة الضغوط القبلية الجارحة، والتهديد بالعزلة الاجتماعية المدمرة، ودفع المال المغري للفقراء والمحتاجين، فهو عفو باطل شرعاً وقانوناً وضميراً، لأنه تحريف فاضح لمقاصد الشريعة الإسلامية، واستغلال سافر لحاجة ولي الدم المالي أو لخوفه الاجتماعي، وتطويع لنص الشرع لخدمة مصلحة الجاني على حساب قتيل بائس لم يعد له لسان يدافع عن نفسه ولا عين تدمع على مقتله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة حق ووقفة انصاف

تعريف السلوك الخاص والعام

الأخلاق عبادة