قصه رجل خسر نفسه
قصة رجل خسر نفسه
بقلم د . اسلام سالم
لم يُجنّ قيس لأن الحب أقوى من العقل، بل لأن العقل انسحب مبكرًا عندما قرر أن يجعل امرأة مركز الكون كله.
القصة التي يتوارثها الناس بوصفها ملحمة عشق خالدة ليست سوى إعادة تدوير لسقوط رجل أفرط في المشاعر حتى فقد توازنه،
واعتقد أن التضحية المطلقة ستُكافأ بالاختيار. قيس لم يكن ضحية المنع ولا قسوة المجتمع، بل ضحية وهم قديم: أن الحب حين يُقدَّم بلا حدود يتحول تلقائيًا إلى قيمة.
المأساة الحقيقية لم تبدأ عندما لم يحصل قيس على ليلى، بل عندما فقد نفسه من أجلها. منذ اللحظة التي توقّف فيها عن أن يكون رجلًا قائمًا بذاته، وتحول إلى تابع عاطفي ينتظر إشارة أو التفاتة،
انقلبت المعادلة بالكامل. الرجل الذي يضع امرأة في موضع القدر لا يرفعها فقط، بل يُسقِط نفسه في المقابل، لأن الجذب لا يعمل مع من يذوب، بل مع من يحتفظ بمكانه وحدوده.
أما ليلى، فلم تكن يومًا تلك الضحية البريئة التي صوّرها التراث العاطفي. ليلى لم تفقد عقلها، ولم تخرج عن مسار الحياة، ولم تدفع ثمن الهيام الذي أُغدق عليها.
تلقّت
الإعجاب
والشعر
والتقديس
وراكمت قيمة رمزية هائلة، ثم عندما جاء وقت القرار الواقعي، اختارت الزواج والاستقرار ومضت في حياتها دون تردّد.
لم تخسر شيئًا، لأن الأنوثة المُدلَّلة تعرف كيف تأخذ دون أن تلتزم، وكيف تنسحب دون أن تُحاسَب.
الأنوثة المُدلَّلة لا تحتاج إلى الخيانة الصريحة ولا القسوة العلنية، يكفيها فقط أن تكون غير مسؤولة عاطفيًا. هي لا تعد، لكنها تترك الباب مفتوحًا للرجل ليعطي أكثر مما ينبغي،
ويستثمر أكثر مما يحتمل، حتى يستنزف نفسه بنفسه. وحين ينهار تحت ثقل هذا الاستنزاف، لا تُدان، بل يُعاد تفسير المشهد كله على أنه
#حب كبير أو #قصة مؤلمة، بينما الحقيقة أنها خرجت سالمة لأنه لم يُطلب منها يومًا أن تدفع.
قيس لم يُعاقَب لأنه أحب، بل لأنه جهل قوانين القيمة والاحترام. الحب الذي لا تحرسه حدود لا يُقدَّر، والرجل الذي لا يستطيع الرحيل لا يُهاب.
لذلك حين جعل قيس ليلى محور حياته، صار هو هامشًا في حياتها، والمرأة لا تختار الهامش مهما كُتبت فيه من قصائد. الاحترام لا يولد من الذوبان، بل من القدرة على الوقوف والانسحاب عند الحاجة.
ليلى تزوجت لأنها فهمت المعادلة كما هي، لا كما تُروى في القصائد، وقيس جنّ لأنه رفض أن يفهمها. هي اختارت الرجل القادر على الاستمرار والبناء، لا الرجل الذي انهار نفسيًا وهو يظن أن الانهيار شهادة حب.
فالأنوثة المُدلَّلة قد تستمتع بأن تكون معبودة، لكنها لا تبني حياتها على رجل فقد توازنه من أجلها.
والخلاصة التي يهرب منها الكثيرون أن قيس ليس بطلًا رومانسيًا، بل تحذيرًا دائمًا.
تحذير لكل رجل يظن أن الإفراط في المشاعر فضيلة، وأن التضحية غير المشروطة تصنع مكانة.
ويتناسي ان في عالم الأنوثة المُدلَّلة
الرجل الذي يخسر نفسه لا يُخلَّد في الذاكرة
بل يُستبدل، وتُروى قصته لاحقًا كعبرة لا كقدوة.
🔻🔻🔻🔻🔻🔹🔻🔻🔻🔻🔻
تعليقات